رصد تقرير لصحيفة "ذا جلوب آند ميل" الكندية عن كثب تطبيق قرار حكومة الانقلاب في مصر بإغلاق المحال التجارية والمطاعم والكافيهات في الساعة التاسعة مساءً، ضمن سلسلة القرارات اتي أقرتها في إطار التعامل مع تداعيات الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران.

 

وروى إريك ريجولي، رئيس المكتب الأوروبي للصحيفة، تجربته مع بدء تطبيق القرار، قائلاً: "مساء السبت، كنت أتناول عشاءً شهيًا في مطعم لبناني جديد بالقرب من فندقي، في جزيرة الزمالك بالقاهرة على نهر النيل. في تمام الساعة 8:55 مساءً، وقبل أن أنتهي من تناول شيش طاووق، أقبل عليّ النادل مسرعًا، وفي يده الفاتورة، وطلب مني الدفع. قال: "سنغلق خلال خمس دقائق".

 

وأضاف: "دفعتُ الحساب. لم يكن يمزح. انطفأت الأنوار في تمام الساعة التاسعة مساءً، وغادر جميع رواد المطعم الذي أظلم فجأة. كنت قد نسيت أن الحكومة المصرية قد أمرت بإغلاق المحلات والمطاعم والمقاهي والحانات في ذلك الوقت بدءًا من يوم السبت. كان حظر التجول الفعلي محاولةً لترشيد استهلاك الطاقة، وسيستمر لمدة شهر على الأقل".

 

وتابع ريجولي: "كانت رحلة عودتي إلى الفندق، التي امتدت لنصف كيلومتر، غريبةً بعض الشيء. القاهرة، إحدى أكثر مدن العالم اكتظاظًا بالسكان، وفوضويةً، وحيويةً، ويبلغ عدد سكانها نصف سكان كندا، كانت شبه مظلمة. أغلق أصحاب المحلات أبوابهم المعدنية. خفتت أضواء الشوارع أو أُطفئت. عاد السياح والمقيمون إلى فنادقهم ومنازلهم؛ لم يكن هناك مكان آخر يذهبون إليه. استخدمتُ مصباحًا يدويًا صغيرًا للتنقل على أرصفة القاهرة، التي تُعدّ خطرةً حتى في وضح النهار".

 

مصر والحرب على إيران

 

وقال إنه "قبل صدور أمر إطفاء الأنوار، بدت مصر معزولة تمامًا عن الحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران"، إذ "لم تسقط أي صواريخ أو طائرات مسيرة إيرانية على الأراضي المصرية أو قناة السويس، الممر المائي بين البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر، والذي تُعدّ عائداته البحرية حيويةً للاقتصاد المصري. وقد استُهدفت قواعد عسكرية أمريكية في منطقة الخليج العربي من قبل إيران، لكن لا توجد أي قواعد عسكرية أمريكية في مصر".

 

وأضاف: "لم تُلمّح إيران قط إلى نيتها مهاجمة مصر، وهو ما يُعدّ مفاجأة سارة لبعض المصريين، نظرًا لاتفاقية السلام التي أبرمتها مع إسرائيل ومكانتها كحليف رئيس للولايات المتحدة في الشرق الأوسط. لم تكن العلاقات بين مصر وإيران ودية قط، فقبل عام 2004، كان شارع في طهران يحمل اسم ضابط الجيش المصري الذي اغتال الرئيس أنور السادات عام 1981 (أُعيد تسمية الشارع العام الماضي باسم حسن نصر الله، زعيم حزب الله اللبناني الذي اغتالته إسرائيل عام 2024). ومع ذلك، فهما ليسا عدوين".

 

أزمة طاقة

 

لكن الصحيفة اعتبرت أن "حياد مصر المدروس في ظل اشتعال النيران في أجزاء واسعة من الشرق الأوسط لم يحمها من أزمة الطاقة التي أشعلتها الحرب وإغلاق إيران الفعلي لمضيق هرمز. وحتى عقد مضى، كانت مصر مُصدِّرًا صافيًا للغاز الطبيعي. ومنذ ذلك الحين، أدى النمو الاقتصادي والسكاني السريع، وانخفاض احتياطيات الغاز المحلية، إلى اعتمادها المتزايد على الوقود المستورد. ويُنتج نحو 80% من كهرباء مصر من محطات الغاز".

 

وارتفعت أسعار الغاز في جميع أنحاء العالم بشكل حاد منذ بدء الهجمات الإسرائيلية والأمريكية على إيران في 28 فبراير. وقد أدى إغلاق مضيق هرمز إلى منع وصول 20% من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية إلى الأسواق الآسيوية والأفريقية والأوروبية. وارتفعت الأسعار في أوروبا بنسبة 60% أو أكثر.

 

وارتفعت أسعار الطاقة في مصر بشكل ملحوظ، ويعود ذلك جزئيًا إلى اعتماد البلاد على حقل ليفياثان للغاز البحري، الخاضع للسيطرة الإسرائيلية، لتلبية جزء كبير من احتياجاتها من الطاقة. 

 

وكإجراء احترازي، أغلقت إسرائيل حقل ليفياثان مع بداية الحرب، ولا توجد لديها خطط لإعادة فتحه في أي وقت قريب. وصرحت الحكومة المصرية بأن فاتورة واردات الطاقة ستصل إلى 2.5 مليار دولار في مارس، مقارنةً بـ 1.2 مليار دولار أمريكي في يناير، أي بزيادة تقارب 110%.

 

ورفعت الحكومة في مارس أسعار البنزين بالتجزئة بنسبة 15%، والسولار بنسبة 17%، وغاز الطهي بنسبة 22%. وقد ألحقت الزيادة في أسعار الغاز الضرر الأكبر بالمستهلكين، فالجميع يستخدمه للطهي.

 

قرارات حكومية 

 

وقررت الحكومة إغلاق المتاجر والمطاعم أبوابها في تمام الساعة التاسعة مساءً. 

 

وقال رئيس الوزراء مصطفى مدبولي: "ليس أمامنا خيار سوى خفض هذه الفاتورة من خلال ترشيد الاستهلاك، وهي مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الحكومة والمواطن معًا لإدراك حجم التحدي".

 

وتوقعت الصحيفة أن تتفاقم الأزمة الاقتصادية، "فارتفاع تكاليف الطاقة يدفع التضخم الغذائي في كل مكان، وستعاني الدول الفقيرة، بما فيها مصر، أكثر من غيرها". 

 

وأشارت إلى أن خطر ارتفاع أسعار الخبز، في بلد يُعتبر فيه الخبز الرخيص حقًا مكتسبًا أثار قلق الحكومة المصرية. فمعظم أنواع الخبز، وتحديدًا الخبز البلدي، مدعوم حكوميًا. لكن ملايين المصريين من الطبقة المتوسطة الدنيا لا يستحقون هذا الدعم، ويدفعون ما يصل إلى عشرين ضعفًا ثمنًا للخبز العادي.

 

وفرضت الحكومة سقفًا سعريًا على الخبز غير المدعوم بعد وقت قصير من اندلاع الحرب. لكن ثمة مؤشرات على أن هذا السقف، الذي يكاد يكون من المستحيل تطبيقه، يتجاهله أصحاب المخابز مع ارتفاع أسعار الوقود اللازم لتشغيل الأفران، بحسب الصحيفة. 

 

وذكرت أن حكومة عبدالفتاح السيسي ما زالت تتذكر انتفاضة الغذاء عام 1977، حين خفضت الحكومة الدعم عن الخبز، مما أدى إلى اندلاع أعمال شغب دامية في أنحاء البلاد، واضطرت الحكومة للتراجع عن رفع الأسعار.

 

وقالت إن المصريين الجائعين، وليس القنابل الإيرانية، هم ما يشغل باله.

https://www.theglobeandmail.com/world/article-energy-crisis-reaches-cairo-as-egyptians-ration-power-and-brace-for-a/